سيد محمد طنطاوي

229

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

إنما يقبض الأرواح بإذنه - سبحانه - ولملك الموت أعوان وجنود من الملائكة ينتزعون الأرواح بأمره المستمد من أمر اللَّه - عز وجل - . قال القرطبي : « فإذا يقبض اللَّه الروح في حالين : في حالة النوم وحالة الموت ، فما قبضه في حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شيء مقبوض . وما يقبضه في حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة . وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته ، وانفراده بالألوهية ، وأنه يفعل ما يشاء ويحيى ويميت ، ولا يقدر على ذلك سواه . « 1 » . واسم الإشارة في قوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) * يعود إلى المذكور من التوفي والإمساك والإرسال . أي : إن في ذلك الذي ذكرناه لكم من قدرتنا على توفى الأنفس وإمساكها وإرسالها ، لآيات بينات على وحدانيتنا وقدرتنا ، لقوم يحسنون التأمل والتفكير والتدبر ، فيما أرشدناهم إليه وأخبرناهم به . ثم نعى - سبحانه - على الكفار غفلتهم وعدم تفكرهم فقال : * ( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّه شُفَعاءَ قُلْ أَولَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً ولا يَعْقِلُونَ ) * . و « أم » هنا بمعنى بل والهمزة ، والاستفهام للإنكار ، والمراد بالشفعاء تلك الأصنام التي زعموا أنها ستشفع لهم يوم القيامة . والمعنى : لقد ترك هؤلاء المشركون التفكر والتدبر في دلائل وحدانيته وقدرته - سبحانه - ولم يلتفتوا إلى ما ينفعهم ، بل اتخذوا الأصنام آلهة لينالوا بواسطتها الشفاعة عند اللَّه . قل لهم - أيها الرسول الكريم - مرشدا ومنبها : أتفعلون ذلك ولو كانت هذه الآلهة لا تملك شيئا من أمرها ، ولا تعقل شيئا مما يتوجهون به إليها ؟ ثم أمر - سبحانه - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يبين لهم أن اللَّه - تعالى - هو مالك الشفاعة كلها ، وأنه لن يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه ، فقال : * ( قُلْ لِلَّه الشَّفاعَةُ جَمِيعاً . . ) * . أي : قل لهم : اللَّه - تعالى - هو المالك للشفاعة كلها ، وآلهتكم هذه لا تملك شيئا من ذلك ، بل أنتم وآلهتكم - أيها المشركون - ستكونون وقودا لنار جهنم . وهو سبحانه - : * ( لَه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * ملكا تاما لا تصرف لأحد في شيء منهما معه ، ولا شفاعة لأحد إلا بإذنه .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 261 .